ابن عجيبة
202
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم ذكر اهتمامهم بقتل صالح وهلاكهم ، فقال : [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 48 إلى 53 ] وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ ( 48 ) قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصادِقُونَ ( 49 ) وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 50 ) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ( 51 ) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 52 ) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ( 53 ) يقول الحق جل جلاله : وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ ؛ مدينة ثمود ، وهي الحجر ، تِسْعَةُ رَهْطٍ أي : أشخاص ، وهو جمع لا واحد له ، فلذا جاز تمييز التسعة به ، فكأنه قيل : تسعة أنفس ، وهو من الثلاثة إلى العشرة ، وكان رئيسهم « قدار بن سالف » وهم الذين سعوا في عقر الناقة ، وكانوا أبناء أشرافهم ومن عتاتهم ، يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أي : في المدينة ، إفسادا لا يخالطه شئ من الصلاح أصلا ، وَلا يُصْلِحُونَ يعنى : إن شأنهم الإفساد المحض ، الذي لا صلاح معه . وعن الحسن : يظلمون الناس ، ولا يمنعون الظالمين عن الظلم . وعن ابن عطاء : يتبعون معايب الناس ، ولا يسترون عوراتهم . قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ : استئناف لبيان بعض فسادهم . و ( تقاسموا ) : إما أمر مقول لقالوا ، أي : تحالفوا أمر بعضهم بعضا بالقسم على قتله . وإما خبر حال ، أي : قالوا متقاسمين . لَنُبَيِّتَنَّهُ : لنقتلنه بياتا ، أي : ليلا ، وَأَهْلَهُ : ولده ونساءه ، ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ أي : لولىّ دمه : ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ أي : ما حضرنا هلاكهم ، أو : وقت هلاكهم . أو : مكانه فضلا أن نتولى إهلاكهم ، وَإِنَّا لَصادِقُونَ فيما ذكرناه . وهو إما من تمام المقول ، أو : حال ، أي : نقول ما نقول والحال أنا صادقون في ذلك ؛ لأن الشاهد للشئ غير المباشر له عرفا . ولأنا ما شهدنا مهلك أهله وحده ، بل مهلكه ومهلككم جميعا ، كقولك : ما رأيت ثمّ رجلا ، أي : بل رجلين . ولعل تحرجهم من الكذب في الأيمان مع كفرهم ؛ لما تعودوا من تعجيل العقوبة للكاذب في القسامة ، كما كان أهل الشرك مع البيت الحرام في الجاهلية . وكان تقاسمهم بعد أن أنذرهم بالعذاب ، وبعد قوله : تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ « 1 » .
--> ( 1 ) من الآية 65 من سورة هود .